الجزء السابع

حفصة عبدالله محمد اسماعيل فطاني

لدي حلم, الذهاب للمدرسة

Hafsah_edited.jpg

كانت حفصة بنت الشيخ عبدالله، معروفة لدى أطفالها العشرة باسم (مآ) اما بالنسبة لأطفال اخوها، كانت "عمتي ساه، وبالنسبة لأطفال أخواتها كانت "خالة". أحبت حفصة جميع الألقاب الممنوحة لها. كانت لها عيون والدها الراحل الذي لم تقابله أبدا. حفصة عادة ما كانت تغفوا وتنام نوما خفيفا اينما حلت في اي مكان بالمنزل بعد وجبة العشاء، وعندما يستقر الجميع في نومهم ليلا، كانت تحرص ان تستيقظ في نفس الوقت لتطمئن على اطفالها نائمين، كانت تقوم بتغطية اطفالها من البرد او تشعل اقراص  طارد البعوض، عندها تستطيع حفصة ان تنام مرتاحة قريرة العين قبل أن تستيقظ ليوم آخر حافل بالعمل. كانت حفصة  سيدة صاحبة كمة وتعرف ما هو جيد

ومفيد لأطفالها ولاهلها وجيرانها، وفي الوقت  نفسه  لم  تتذمر  أبدا أو تطلب مساعدة

احد من اطفالها للقيام بالاعمال المنزلية ليتفرغو  لواجباتهم الدراسية  ومع ذلك كان اطفالها

يقومون بها يشكل جيد وقد اثبتوا تفوقهم في المدرسة. ذهب الجميع إلى المدرسة

الإنجليزية، عدى ابنتها الصغرى نوريني فقد ذهبت إلى المدرسة الصينية، وفي وقت لاحق ندمت

حفصة  على انه لم يذهب أحد من اطفالها إلى المدرسة العربية؟. لم يكن هناك تلفزيون في

ذلك  الوقت، ففي المساء كان الأطفال أحرارا في فعل ما يحلو لهم طالما انهم في المنزل.

كان يوسف يقرأ قصص بينو المصورة، وحليم يقرأ مجلات ماد، وناجية تقرأ "كتب تختارها

من مكتبة المدرسة، ومحمود كان يقرأ الكتب الاكثر مبيعا، وذكي يعزف على قيثارته. وفي بعض الأحيان كان الجميع يتحدثون ويضحكون مع بعضهم البعض بصوت عالي ومزعج كعادة اطفال القرية وحالما يسمعون حفصة تصيح بهم "ما هاذا الجنان الذي انتم فيه" عندها فقط يبدء الانزعاج والتذمر من اطفالها، وفي بعض الاحيان كان اطفالها يجتمعون حولها للاستماع إلى قصصها عندما كانت صغيرة، والتي كانت تبدئها بجملة "هل تعرفون ما كانت تفعل أمكم عندما كانت طفلة " كان لديها موهبة في سرد القصص. ومعظم الحلقات كانت تسرد قصة حياتها، من خلالها تعرفوا اطفالها على شخصيتها الحقيقية ومشاعرها، وبشكل غير مباشر فهم اطفالها أنها تريد منهم أن يكونوا ناجحين. كانت هذه هي طريقتـها في تحفيز اطفالها، وكانوا يكنون لها الكثير من الحب والاحترام .

واحدة من أكثر الروايات التي تذكرتها عندما كانت طفلة كانت اهتمامها بالذهاب إلى المدرسة وكانت والدتها ضد فكرة الحاقها بالمدرسة. كان هذا في عام 1930م وفي تلك الايام لم يكن الذهاب إلى المدرسة امر ميسر، ولم يكن هناك سوى مدارس عربية (مدارس دينية "بوندوك") ومدرستان تدرس بالملايو متاحتان في ذلك الوقت. وكانت هناك مدرسة إنجليزية وحيدة وهي مدرسة السلطان سليمان وكانت تدرس باللغة الإنجليزية منذ عام 1920 وكانت مخصصة لأولاد القصور الأرستقراطيين لأن سياسة الحاكم البريطاني كانت هي تعليم اطفال الاستقراطيين القراءة والكتابة ليصبحوا المواطنيين المحليين كتبة في وكالة الخدمات الإدارية  للدولة من ولكن كان الآباء قلقين من أن أطفالهم قد يتأثرون بالمسيحية إذا تم إرسالهم إلى مدرسة إنجليزية. ولكي يحث اولياء الامور لالحاق ابنائهم بها كان على المدرسين الاتصال هاتفيا لإقناع الآباء لإلحاق أطفالهم بهذا النوع من المدارس. وفي تلك الحقبة، كان التعليم يعني حضور الفصول الدراسية لمدة 3 سنوات من التعليم الابتدائي، ثم بعدها كانوا يلتحقون بالعمل. ولم يكن العمر أبدا حدا لحضور الدروس. ويمكن أن يتألف فصل دراسي واحد من تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 8 سنوات الى  15 سنة. في تلك الحقبة كان الآباء البعيدي النظر او الغير متشددين يرسلون أطفالهم إلى المدارس ويأملون في الأفضل. وليكونوا مواطنين ناجحين كمعلمين في مدارس الملايو. وبالنسبة لابناء الشيخ عبدالله فطاني في باليك بوكيت، التحق الابناء يحيى ومحمد كامل بالمدرسة العربية.، وبقي البنات، آسيا وميمونة وحفصة، في المنزل في انتظار سن الزواج. كان التعليم غير ضروري مرهقا إلى حد ما بالنسبة لجدهم عبدالله ، ذلك الشاب الوحيد الذي انتقل باسرته حديثا من مكة المكرمة، و سكن ترنقانوا ماليزيا.

بالنسبة لحفصة كانت بعكس اقرانها من البنات، كان شغفها بالقراءة والكتابة كبير فعليها ان تتعلم قراءة القران الكريم والقصص وكتابة الرسائل بالنسبة لها تعلم القراءة والكتابة يشعرها بالحرية. وفي تلك الأيام كانت العلاقة بين الأم وابنتها قائمة على الوقار والاجلال. جمعت حفصة شجاعتها وطلبت من والدتها الإذن بالذهاب إلى المدرسة، لكن كان وقع الرفض على قلب حفصة صادما ومؤلما ولكنها كانت تعرف أن فرص حصولها على موافقة والدتها ضئيل، فقد كان يحزوها الامل وآلمها الرفض ذلك لأنها تؤمن بأن التعليم سيحررها من قيود والديها. واصرارها على التعلم دفعها لتكون صداقة مع فتاة تدعى زهرة، ابنة (تشيء علي) الذي كان مدرسا في المدرسة التي كانت تدرس فيها زهرة. وكانت عائلة "تشي علي" محبة للعلم والتعلم، اقترحت زهرة على حفصة اان تقوم والدتها (والدة زهرة) بتعليم حفصة القراءة والكتابة ومن المنزل بشكل سري ومجانا .وافقت حفصة على اقتراح زهرة وبدئت تتلقى دروسها في بيت زهرة  وركزت حفصة كل جهدها لتتعلم القراءة والكتابة وقد برعت في ذلك، مما دفع والدة زهرة إلى تفاتح فاطمة عبدالرحمن والدة حفصة ان تسمح لحفصة ان تكمل معها تعلم القراءة والكتابة. هذه المرة نظرت فاطمة إلى ابنتها الصغرى حفصة شكل مختلف، وعلى الرغم من الاعتراض الشديد من ابنها الأكبر يحيى، قررت والدتها أخيرا السماح لها بالذهاب إلى المدرسة. وكان هذا القرار جاء نتيجة جراءة حفصة في الطلب من والدتها ان تسمح لها بالالتحاق بالمدرسة. بعد كل شيء الموضوع كان بخص مستقبل حفصة في الالتحاق بالمدرسة، وبالنسبة للفتاة زهرة كان أسعد يوم في حياتها هو اليوم الذي سمحت فيه والدة حفصة لابنتها للالتحاق بالمدرسة .

ولاختصار القصة بدأت الايام والامور بطيئة بالمدرسة بالنسبة لحفصة ولكن سرعان مامرت الايام سريعا واصبح لقبها "المعلمة والمدرسة حفصة" بعد بضع سنوات من الدراسة، فقد تم قبول حفصة كمدرسة في مدرسة البنات الوحيدة بترنقانو، هي مدرسة "تينكو أمبوان مريم" بجوار منطقة مستنقعات في بايا بونغا. كانت الفرصة امام حفصة لحضور دورة في تطوير المعلمات في كلية تدريب المعلمات التي افتتحت حديثا في "دوريان دون ملقا" مع صديقتها المعلمة زهرة .كانت حفصة تعرف ان والدتها لاتتقبل فكرة ان بنتها حفصة يمكن لها كفتاة صغيرة أن تسافر وتعيش بعيدا عن المنزل لفترة طويلة. ولم يسبق لأحد في العائلة أن سافر بعيدا عن باليك بوكيت او زار ملقا أو أي مكان خارج كوتا بارو، وربما تكون إنجلترا. ذهبت المعلمة زهرة بمفردها إلى كلية دوريان دون لتدريب المعلمين للنساء وفي المراحل اللاحقة من حياتها أصبحت مديرة مدرسة. وكانت حفصة تحب أن تكون مديرة مدرسة أيضا، ولكن من ناحية اخرى كان ينتظر حفصة مستقبل اخر، كان موظف شاب اسمه وان عثمان يعمل مع اخوها يحيى في مراب منزل حفصة في باليك بوكيت يطبع الكتب الدينية التي كتبها الشيخ محمد بن اسماعيل فطاني، قد وقع عينة على الشابة حفصة واعجب بها وكانت في سن الزواج وتمنى الارتباط بها . كان من الممكن أن يتقدم لها وتسير الأمور بشكل جيد لكليهما، ولكن ماحصل انه بدء اصوات الطائرات الحربية اليابانية تغير على بايا بونغا وكان على عائلة حفصة أن تختبئ في حفرة كبيرة تحت ظل مجموعة من الخيزران في باليك بوكيت كلما سمعت صوت تلاشي لطائرة بعيدة، فقد كانت طائرات غزو الجيش الياباني معلنا بدء الغزو الياباني على ماليزيا ومعلنة بذات الوقت بداية الحرب العالمية الثانية .لم تتحطم أحلام حفصة فحسب، بل أيضا أحلام العديد من الشباب بماليزيا والعالم اجمع.